ابن الجوزي
157
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( وأنتم الأعلون ) أي : أنتم أعز منهم ، والحجة لكم ، وآخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات ( والله معكم ) بالعون والنصرة ( ولن يتركم ) قال ابن قتيبة : أي : لن ينقصكم ولن يظلمكم ، يقال : وترتني حقي أي : بخستنيه . قال المفسرون : المعنى : لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا . قوله تعالى : ( ولا يسألكم أموالكم ) أي ، لن يسألكموها كلها . قوله تعالى : ( فيحفكم ) قال الفراء : يجهدكم . وقال ابن قتيبة : يلح عليكم بما يوجبه في أموالكم ( تبخلوا ) ، يقال : أحفاني بالمسألة وألحف : إذا ألح . وقال السدي : إن يسألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا . ( ويخرج أضغانكم ) وقرأ سعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، وابن يعمر : " ويخرج " بياء مرفوعه وفتح الراء " أضغانكم " بالرفع . وقرأ أبي بن كعب ، وأبو رزين ، وعكرمة ، وابن السميفع ، وابن محيصن ، والجحدري : " وتخرج " بتاء مفتوحة ورفع الراء " أضغانكم " بالرفع . وقرأ ابن مسعود ، والوليد عن يعقوب : " ونخرج " بنون مرفوعة وكسر الراء " أضغانكم " بنصب النون ، أي : يظهر بغضكم وعداوتكم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه فرض عليكم يسيرا . وفيمن يضاف إليه هذا الإخراج وجهان : أحدهما : إلى الله عز وجل . والثاني : البخل ، حكاهما الفراء . وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة ، وليس بصحيح لأنا قد بينا أن معنى الآية : إن يسألكم جميع أموالكم ، والزكاة لا تنافي ذلك . قوله تعالى : ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) يعني ما فرض عليكم في أموالكم ( فمنكم من يبخل ) بما فرض عليه من الزكاة ( ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) أي : على نفسه بما ينفعها في الآخرة ( والله الغني ) عنكم وعن أموالكم ( وأنتم الفقراء ) إليه وإلى ما عنده من الخير والرحمة ( وإن تتولوا ) عن طاعته ( يستبدل قوما غيركم ) أطوع له منكم ( ثم لا يكونوا أمثالكم ) بل خيرا منكم . وفي هؤلاء القوم ثمانية أقوال : أحدها : أنهم العجم ، قاله الحسن ، وفيه حديث يرويه أبو هريرة قال : لما نزلت " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم " كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله : من هؤلاء الذين إذا تولينا استبدلوا بنا ؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على منكب سلمان ، فقال : " هذا وقومه ، والذي نفسي بيده ! لو أن الدين معلق بالثريا لتناوله رجال من فارس " .